أبي منصور الماتريدي
56
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
المبحث الثاني مظاهر الحياة الاجتماعية امتازت الحياة الاجتماعية في عصر الماتريدي بمظاهر عدة ، لعل أبرزها : - ظهور حركة الشعوبية . - ظاهرة الزندقة . - غلبة اللهو والترف على المجتمع . أولا : الشعوبية : نشأت ظاهرة الشعوبية كنتيجة طبيعية للصدام السياسي والحضاري بين العرب والموالي ، فتعصب العرب لجنسهم واحتقروا الموالي ، وتعصب الموالي - الفرس والترك - لأرومتهم ، ورأي الفرس أنهم ذوو سابقة في الحضارة والمدنية وأن العرب طارءون على هذه الحضارة . وغلبت هذه النزعة من العصبية على الدولة العباسية وأذكى نيرانها مساندة العباسيين للموالي وتقديمهم إياهم على العرب . وبلغت الشعوبية ذروة خطورتها في القرن الثالث الهجري ، حيث نشط الفرس في الهجوم على العرب والتفتيش عن مثالبهم ، وتجريدهم من كل ميزة وفضيلة ، وربما ساعد على ذلك أن الخلفاء العباسيين لم يتعصبوا للعرب كجنس بقدر ما تعصبوا للإسلام كدين يسوي بين الناس في الحقوق والواجبات ، ولا يرى للعرب فضلا على سائر الأجناس إلا بالتقوى . وثمة نزعات ثلاث تألفت ظاهرة الشعوبية من مجموعها : النزعة الأولى : وتذهب إلى أن العرب خير الأمم ؛ لأنهم ظلوا ينعمون بالاستقلال والحرية ، بالرغم من أنهم كانوا يتاخمون أكبر دولتين : الفرس والروم ، كما أنهم يتمتعون بصفات أخلاقية امتازوا بها عن غيرهم ، كالكرم والوفاء والنجدة ، بالإضافة إلى أن الإسلام - وهذا هو العامل الأهم - نزل بأرضهم ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منهم ، وهم حاملو لواء دعوته إلى الناس ، فكل من أسلم ففي عنقه للعرب منة لا تقدر . النزعة الثانية : ترى أن العرب ليسوا بأفضل الأمم ، فالأمم كلها متساوية ، يؤيد ذلك قول الله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [ الحجرات : 13 ] .